أعاد تصريح روسي مثير عن احتمال “انهيار الاتحاد الأوروبي” خلط الأوراق داخل نقاش أوروبي متوتر أصلا، بعدما ربط كيريل دميترييف، رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي، بين نتائج الانتخابات في هنغاريا وبين ما اعتبره بداية مرحلة قد تسرّع تفكك الاتحاد خلال الأشهر المقبلة. التصريح جاء في توقيت بالغ الحساسية، لأن المشهد الأوروبي يعيش بالفعل على وقع انقسامات سياسية متنامية، وضغوط اقتصادية متواصلة، وصعود تيارات داخلية تعترض على جزء من توجهات بروكسل، غير أن تحويل هذه التعقيدات إلى حديث مباشر عن “انهيار وشيك” يظل، إلى حدود اللحظة، أقرب إلى موقف سياسي منه إلى حقيقة قائمة على مؤشرات مؤكدة.
اللافت في هذا التصريح أنه استند إلى انتخابات هنغاريا بوصفها لحظة مفصلية، خصوصا بعدما أقر فيكتور أوربان بهزيمته في الانتخابات البرلمانية، وهي نتيجة اعتبرتها تغطيات أوروبية تحولا مهما داخل بلد ظل لسنوات يمثل أحد أكثر الأصوات إزعاجا للمؤسسات الأوروبية من الداخل. هذا التحول منح مادة إضافية لكل من يريد القول إن الاتحاد الأوروبي لم يعد يعيش فقط أزمات خارجية، بل بات يواجه بدوره تصدعات سياسية داخلية تمس توازناته التقليدية وتضعف صورة الانسجام التي حاول ترسيخها طويلا. ومع ذلك، فإن هذا التطور، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده للقول إن الاتحاد دخل مرحلة الانهيار.
في العمق، لا يمكن قراءة هذا التصريح الروسي بمعزل عن حرب السرديات المفتوحة بين موسكو والغرب. فمنذ سنوات، تسعى روسيا إلى إبراز الاتحاد الأوروبي باعتباره كيانا مثقلا بالتناقضات، عاجزا عن الحفاظ على وحدة مواقفه، ومهددا من الداخل بصعود قوى سياسية ترى في السياسات المركزية لبروكسل عبئا أكثر من كونها ضمانة للاستقرار. وفي المقابل، يواصل الاتحاد الأوروبي تقديم نفسه كمشروع سياسي ومؤسساتي ما زال قادرا على امتصاص الصدمات، وإدارة الخلافات الداخلية، والاستمرار رغم الضغوط. وبين الروايتين، يجد المتابع نفسه أمام معركة لا تدور فقط حول الوقائع، بل أيضا حول من يملك حق تفسيرها وتوجيهها.
صحيح أن الاتحاد الأوروبي يواجه تحديات حقيقية لا يمكن التقليل من شأنها، من بينها تباين أولويات الدول الأعضاء، وتصاعد الخطابات الشعبوية، والخلافات حول ملفات الهجرة والسيادة والطاقة والحرب في أوكرانيا، لكن الصحيح أيضا أن مؤسساته ما تزال تشتغل، وآليات اتخاذ القرار ما تزال قائمة، والدول الكبرى داخله لم تُظهر أي مؤشر فعلي على تفكك وشيك أو انسحاب جماعي يمكن أن يبرر مثل هذا الاستنتاج الحاد. لذلك، فإن الحديث عن “انهيار قريب” لا يجد إلى الآن ما يكفي من السند الواقعي، بقدر ما يجد مكانه داخل خطاب سياسي يراد له أن يضخم الشكوك ويغذي صورة أوروبا المرتبكة.
ما يجعل هذا التصريح قابلا للانتشار السريع هو أنه يلامس خوفا أوروبيا كامنا بالفعل، يتعلق بإمكانية تحول الأزمات المتراكمة إلى أزمة بنيوية تمس جوهر المشروع الأوروبي نفسه. غير أن الفرق يبقى كبيرا بين الاعتراف بوجود أزمة داخل الاتحاد، وبين الجزم بأن الانهيار أصبح مسألة وقت قصير. فالأزمة، مهما كانت عميقة، لا تعني بالضرورة السقوط، كما أن التصدعات السياسية لا تتحول تلقائيا إلى تفكك مؤسساتي شامل، خصوصا في كيان راكم عبر عقود طويلة أدوات للبقاء وإدارة التناقضات.
بناء على ذلك، فإن التصريح الروسي لا يجب قراءته كخبر يثبت أن الاتحاد الأوروبي على وشك الانهيار، بل كإشارة سياسية تحمل قدرا كبيرا من التوظيف في سياق دولي متوتر، حيث أصبحت الكلمات نفسها جزءا من موازين القوة. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قد انهار فعلا، لأن هذا غير مؤكد ولا تدعمه الوقائع الحالية، بل ما إذا كانت أوروبا تدخل مرحلة أكثر هشاشة وصراعا من أي وقت مضى، وهي مسألة تبدو اليوم أقرب إلى الواقع من أي حديث حاسم عن نهاية وشيكة لهذا الاتحاد.
