دخلت الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة الهشاشة، بعدما تزامن التصعيد البحري الأمريكي حول الموانئ الإيرانية مع استمرار التلويح الإيراني بردود غير تقليدية، في وقت تتحرك فيه قنوات التفاوض الخلفية لتفادي الانفجار. غير أن هذا المشهد لا يمكن قراءته بعيدا عن التحذير الروسي السابق من أن الحرب التي تقودها واشنطن وتل أبيب ضد إيران قد تدفع الشرق الأوسط كله إلى مواجهة أوسع، وتجر أطرافا جديدة إلى ساحة صراع تتجاوز حدود الحسابات الأولية.
فبحسب ما أوردته تقارير أمريكية، نشرت واشنطن عددا كبيرا من القطع البحرية لتشديد الضغط على إيران، بينما تتواصل المحادثات غير المعلنة بحثا عن لقاء مباشر جديد قبل انهيار وقف إطلاق النار. وفي الوقت نفسه، تؤكد تقارير مناخ التهدئة الهش، لا التهدئة الحقيقية، لأن كل طرف يحاول التفاوض من موقع القوة لا من موقع التراجع. هذا ما يفسر الجمع بين الحصار البحري والاتصالات السياسية في لحظة واحدة.
من هنا تبدو الزاوية الروسية أكثر وضوحا. موسكو لا ترى أن الخطر يكمن فقط في المواجهة بين واشنطن وطهران، بل في احتمال أن تبقى إسرائيل العامل الأكثر قدرة على تفجير أي مسار دبلوماسي. وقد أظهرت تقارير سابقة أن إسرائيل، حتى مع الحديث عن تهدئة أمريكية إيرانية، واصلت نهجا عسكريا أكثر تشددا في الإقليم، خصوصا على الجبهة اللبنانية، ما يجعلها في نظر كثير من المتابعين الطرف الأقل استعدادا للقبول بتهدئة مستقرة وطويلة.
وفي هذا السياق، يصبح التحذير الروسي منطقيا من زاوية جيوسياسية أوسع. فموسكو سبق أن اتهمت الولايات المتحدة وإسرائيل بمحاولة جر دول عربية إلى حرب أوسع مع إيران، كما حذرت من أن الضغط العسكري قد ينتهي إلى نتيجة معاكسة تماما، ليس فقط عبر توسيع الجبهة، بل أيضا عبر دفع المنطقة إلى مزيد من التسلح والبحث عن مظلات ردع جديدة. وهذا يعني أن روسيا لا تنظر إلى إسرائيل كفاعل عسكري فقط، بل كعنصر قد يفجر التوازن الهش إذا استمرت في الدفع نحو منطق الحرب الدائمة.
ومع استمرار التصعيد في لبنان، حيث تتواصل الضربات الإسرائيلية والردود من حزب الله، تبدو هذه المقاربة أكثر واقعية. فالمسار اللبناني لم يدخل فعليا في أي تهدئة شاملة، وإسرائيل أوضحت سابقا أن لبنان ليس مشمولا بالترتيبات نفسها، وهو ما يبقي الباب مفتوحا أمام انتقال أي شرارة من الخليج إلى شرق المتوسط، أو العكس. هنا تحديدا تكتسب التحذيرات الروسية معناها الكامل: المنطقة لا تعيش هدنة، بل تعيش إعادة توزيع للتوتر على أكثر من جبهة.
وفي المحصلة، فإن أخطر ما في اليوم السابع من وقف إطلاق النار ليس فقط عدد السفن الأمريكية أو حدة التهديد الإيراني، بل كون كل ذلك يجري في بيئة ترى فيها موسكو أن إسرائيل ما تزال إحدى البوابات الرئيسية لانفجار أوسع. لذلك، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الهدنة قائمة شكليا، بل ما إذا كانت قادرة فعلا على الصمود أمام منطق التصعيد المتعدد الجبهات، خاصة إذا استمرت تل أبيب في التحرك خارج إيقاع التهدئة الهشة.
